2017-03-12

تايهة في خرم إبرة

© Catarina Carvalho

أنا عايزة أعيط.
عايزة أقول دا هنا عشان مش عايزة طبطبة مبتذلة زي ما ممكن يحصل على فيسبوك! عشان مش مستنية رد
عشان أنا مؤخرًا بكتب اللي عايزة أعمله بدل ما اعمله عشان ما بلحقش أعمله.. خاصة لو بُكا! 
أنا في الحقيقة كل يوم الصبح بقعد على السرير خمس دقايق عايزة أعيط وأقول انا مش عايزة أخرج واواجه العالم! 
معرفش دا اكتئاب تاني ولا إيه.. ولا دا المفروض يكون طبيعي قدام اللي بواجهه! 
الحقيقة أنا مش عارفة أنا بواجه إيه بالظبط! أنا حاسة إني راكبة البتاعة دي في الملاهي اللي بتخلينا نلف حوالين نفسنا وما نلحقش حتى نصوت!
أو مثلاً.. أنا راكبة طول الوقت عجلة، ماعنديش أوبشن إني أوقفها.. لازم طول الووقت أبص قدامي مش حواليا، عشان ما اتكعبلش.. عشان لو اتكعبلت مش هقوم!
النهاردة، كنت بتكلم مع صديقة. قلت لها طول عمري بواجه مشاكل، وواجه عقبات كتير أوي في طريقي لأحلامي.. لكن المصيبة دلوقتي.. إني أنا العائق الوحيد قدام أحلامي! أنا لازم أواجه نفسي واتصدى لنفسي واضغط على نفسي.
حياتي ملغبطة لأبعد حد، من غير داعي ولا سبب لدا، كل اللي ناقصني عشان أنظمها.. حاجة بسيطة جدًا زي إني يبقى عندي إرادة وأصحى في ميعاد بدري! مش قادرة أعمل حاجة بسيطة زي دي!
أنا واقعة في معضلة إني كل يوم الصبح ببص في المراية. بشوف وش تعبان ومكتئب وبيكون قدامي معضلتين، إما أكون حلوة وأحط على وشي ابتسامة عشان الناس مش ذنبها يعني تشوفني بالبؤس دا..
يا إما أنزل زي ما أنا وأنا بسب وبلعن فكرة إننا ماعندناش حتى رفاهية إننا نكون على طبيعتنا.. نبان تعبانين لما نكون تعبانين فعلاً.. نبان فرحانين لما نكون فرحانين فعلاً.. نبان زعلانين وإحنا زعلانين!
بواجه نفس المعضلة كل ما اجي أعبر عن نفسي على فيسبوك، أو هنا، اكتشفت إن الناس بتاخد الكلام اللي بنكتبه بمنتهى الجدية.. أو بمعنى أصح.. بيتخيلوا إن إحنا "بس" اللي بنكتبه دا.. أو إن اللي بنكتبه دا هو "كل حاجة" عننا.. بواجه معضلة ليه؟ بقول ليه أصدر للناس إني شخصية كئيبة بتصدر طاقة سلبية ومزعجة، في حين إني في الواقع مثلاً، دمي خفيف، وبميل فعلاً للتفاؤل مش لافتراض الأسوأ.. بعدين الجزء التاني من المعضلة، هو هل المفروض أكون أراجوز؟ هل أنا موجودة عشان أسلي الناس وأضحكهم.. أو أعجبهم؟
رغم رعبي المستمر من أحلامي اللي بتتحقق بحذافيرها، وأكتشف إنها فالصو، بعدين.. ورغم إني بدأت أشك إن في حاجة في الحياة دي ليها طعم.. لسة بحلم حلم واحد نفسي أفقد الذاكرة وأنساه!
بمناسبة الذاكرة، وأنا بتكلم مع الصديقة نفسها، قلت لها بردو إني لما بفتكر نفسي من كام سنة.. وبقرأ مثلاً آرائي أو ريفيوهات ليا على كتب.. بحس إني مصدومة.. إني مش عارفاني وكإني مش أنا اللي عمرها قالت دا! ماكنتش هبلة أو ساذجة ونضجت مثلاً لأ.. مش معترضة حتى على آرائي.. أنا حاسة إني مش أنا أصلاً! كأني فقدت فعلاً الذاكرة! ماعرفش دا حصل امتى !
بقالي فترة مش عارفة أزعل على حاجات معينة خسرتها الفترة اللي فاتت.. مش لاحقة أزعل أصلا! وحاسة بالذنب إني ما زعلتش وما ادتش الحاجات دي حقها من الزعل.. بزايد على نفسي! مهزلة.
النهاردة، ورغم كل حاجة، حطيت ورقة جديدة في برطمان السعادة، جاتلي رسايل وإشارات من ربنا كتير، في منها رسايل بحاول أتغابى وما أفهمهاش وبدعي ربنا تكون غلط..
أنا مرهقة وحزينة. 
أنا مش عايزة أكون كده طول الوقت! 
جوايا حد عايز ينبسط ويستمتع بالحياة بس محبوس.. مش عارفة أطلعه.. 
أنا تايهة يارب! تايهة في خرم إبرة.

2017-02-02

إلى رفعت.. الرسالة (31)



كان ذلك في يناير يا رفعت، أذكر كل ما حدث تلك الليلة بالتفصيل. كنا نعرف أن زيارته، مهما طالت، ستكون عابرة! ورغم ذلك لم أصدق أبدًا أنه رحل. بكل سذاجة وعناد وجنون أخذت أضمه وأحدثه، أهز كتفيه، أجرب ذلك البخاخ الذي كان يدسه في فمه ليمنحه، بالتقسيط، ما تبقى له من أنفاس في الدنيا.
كالعادة كنت متمسكة بأمل ساذج وغير منطقي يقول لي إنه سيكون على ما يرام، كررت ذلك مرارًا بثقة لا أعرف كيف توهمتها، كيف توهمت أنه بمجرد رفضي القوي لشيء مفزع كهذا لن يحدث أبدًا ! 
أرسلوا في طلب الطبيب فلم يأتِ، عدوى الرفض التي انتابتني سيطرت على إخوتي، وأصر أخي على نقله للمستشفى، بينما كان يستعد للمغادرة، تقول أمي أن ندائنا عليه ردّ فيه الروح مرة أخرى، نظر إليّ في عيني، نظر لنا جميعًا نظرة الوداع، ثم رحل للأبد! 
واصلت الرفض، دفست رأسي في الوسادة وبكيت حتى غرقت في النوم، رفضت أن أستيقظ وأودعه، بينما كانوا يجهزونه للرحيل، كنت نائمة، أحلم به، أجلس معه في الغرفة وأقنع نفسي أن ما من شيء قد حدث! 
رفضت أن أقبله للمرة الأخيرة أو ألقي عليه النظرة الأخيرة، فضلت أن أقضي تلك اللحظات معه، مع روحه، لا جثته! 
----
في مارس! تكرر السيناريو بشكل مختلف، حين أخبرني أنه أصيب بالسرطان رفضت أن أصدق، أنكرت الأمر بالهيستريا نفسها، أخبرته وأخبرت نفسي مرارًا أنه لن يموت، أنني لن أذوق أبدًا هذا الوجع! وكأنني أظن الحياة تطلب رأيي ورفضي لمجرد التفكير في الأمر يعني أنه لن يحدث أبدًا!
حين اختنق الحب ببطء كنت أرفض التصديق، كنت أرفض أن هذا سيحدث، أنكره بشدة ولا أسمح لنفسي بالتفكير فيه، حتى تحلل الجثمان أمام عيني وأنا لا أزال أراه جيدًا وبخير، لم أدرك الحقيقة إلا حين حاولت التمسك به، ووجدت أصابعي تقبض على الفراغ.
هل تظنني تعلمت يا رفعت؟ بالطبع لا! حتى هذه اللحظة حين قرأت صديقة تكتب أن والدتها ماتت إكلينيكيًا والأطباء يرفضون فصلها عن الأجهزة لترحل بسلام ضبطت نفسي متلبسة أكتب لها، بالسذاجة نفسها أو قل بالحماقة نفسها، ربما لا يزال هناك أمل! متى أكبر يا رفعت؟ 

2 فبراير 2017